الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
77
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 30 ] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) جملة مستأنفة ، أصل نظم الكلام فيها : تودّ كل نفس لو أنّ بينها وبين ما عملت من سوء أمدا بعيدا يوم تجد ما عملت من خير محضرا . فقدم ظرفها على عامله على طريقة عربية مشهورة الاستعمال في أسماء الزمان ، إذا كانت هي المقصود من الكلام ، قضاء لحق الإيجاز بنسج بديع . ذلك أنّه إذا كان اسم الزمان هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام ، وكان مع ذلك ظرفا لشيء من علائقه ، جيء به منصوبا على الظرفية ، وجعل معنى بعض ما يحصل منه مصوغا في صيغة فعل عامل في ذلك الظرف . أو أصل الكلام : يحضر لكلّ نفس في يوم الإحضار ما عملت من خير وما عملت من سوء ، فتودّ في ذلك اليوم لو أنّ بينها وبين ما عملت من سوء أمدا بعيدا ، أي زمانا متأخّرا ، وأنّه لم يحضر ذلك اليوم . فالضمير في قوله وبينه على هذا يعود إلى ما عملت من سوء ، فحوّل التركيب ، وجعل ( تودّ ) هو الناصب ليوم ، ليستغنى بكونه ظرفا عن كونه فاعلا . أو يكون أصل الكلام : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ومن شرّ محضرا ، تودّ لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم أمدا بعيدا ؛ ليكون ضمير بينه عائدا إلى يوم أي تودّ أنّه تأخّر ولم يحضر كقوله : رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [ المنافقون : 10 ] وهذا التحويل من قبيل قول امرئ القيس . ويوما على ظهر الكثيب تعذّرت * عليّ وآلت حلفة لم تحلّل فإنّ مقصده ما حصل في اليوم ، ولكنّه جعل الاهتمام بنفس اليوم ، لأنّه ظرفه . ومنه ما يجيء في القرآن غير مرة ، ويكثر مثل هذا في الجمل المفصول بعضها عن بعض بدون عطف لأنّ الظرف والمجرور يشبهان الروابط ، فالجملة المفصولة إذا صدّرت بواحد منها أكسبها ذلك نوع ارتباط بما قبلها : كما في هذه الآية ، وقوله تعالى : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ [ آل عمران : 35 ] ونحوهما ، وهذا أحسن الوجوه في نظم هذه الآية وأومأ إليه في « الكشاف » . وقيل منصوب باذكر ، وقيل متعلق بقوله : الْمَصِيرُ وفيه بعد لطول الفصل ، وقيل بقوله : ( ويحذّركم ) وهو بعيد ، لأنّ التحذير حاصل من وقت نزول الآية ، ولا يحسن أن يجعل عامل الظرف في الآية التي قبل هذه لعدم التئام الكلام حق الالتئام . فعلى الوجه الأول قوله تودّ هو مبدأ الاستئناف ، وعلى الوجوه الأخرى هو جملة حالية من قوله وما عملت من سوء .